محمد بن جرير الطبري
141
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقوله : فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله لما ضربه له مثل . كما . حدثني به المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أن هذا المثل الحق من ربهم أنه كلام الله ومن عنده . وكما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه الحق من الله . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا قال أبو جعفر : وقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الذين جحدوا آيات الله وأنكروا ما عرفوا وستروا ما علموا أنه حق . وذلك صفة المنافقين ، وإياهم عنى الله جل وعز ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم بهذه الآية ، فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ، كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي : حدثنا به محمد عن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الآية ، قال : يؤمن بها المؤمنون ، ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها ويضل بها الفاسقون . يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به . وتأويل قوله : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا ، ف " ذا " الذي مع " ما " في معنى " الذي " وأراد صلته ، وهذا إشارة إلى المثل . القول في تأويل قوله جل ثناءه : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً قال أبو جعفر : يعني بقوله جل وعز : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً يضل الله به كثيرا من خلقه والهاء في " به " من ذكر المثل . وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدأ ، ومعنى الكلام : أن الله يضل بالمثل الذي يضر به كثيرا من أهل النفاق والكفر . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً يعني المنافقين ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً يعني المؤمنين ؛ فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله لما ضربه له وأنه لما ضربه له موافق ، فذلك إضلال الله إياهم به . وَيَهْدِي بِهِ يعني بالمثل كثيرا من أهل الإِيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم ، لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به ، وذلك هداية من الله لهم به . وقد زعم بعضهم أن ذلك خبر عن المنافقين ، كأنهم قالوا : ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا . ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله فقال الله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وفيما في سورة المدثر من قول الله : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ ، أعني قوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً القول في تأويل قوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وتأويل ذلك ما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس